جلال الدين الرومي
39
فيه ما فيه
يهبط في الشتاء وفي الربيع وفي الصيف وفي الخريف بقدر معلوم وكذاك في الربيع يكثر ويقل ولكن المحل الذي يهبط فيه مكان لا حدّ له . العطارون يضعون السكر في عبوات من ورق أو الدواء لكن السكر ليس بقدر ما يوضع في الورق ؛ لأن مناجم السكر ومعادن الدواء بلا حدود بلا نهاية حتى تسع أوراق . كانوا يشنعون على النبي - صلى اللّه عليه وسلم - لماذا ينزل القرآن عليه كلمة كلمة ولا ينزل سورة سورة فقال المصطفى عليه السّلام : ماذا يقول هؤلاء البلهاء لو نزل القرآن جملة واحدة علىّ لذبت وفنيت ؛ لأنه كان يفهم أشياء كثيرة من قليل وأمورا عديدة من أمر واحد ودفاتر من سطر واحد مثله كمثل جماعة جلست تسمع حكاية ، لكن واحدا منهم يعلم جميع الأحوال وكان شاهد عيان على ما جرى ويحكى فيفهم من رمز واحد كل ما حدث ويصفر وجهه ويحمر ويتبدل من حال إلى آخر ولم يفهم غيره إلا ما كان يحكى له ؛ لأنه لم يكن عالما بكل تفاصيل الحكاية أما من علم فقد فهم منها سائر ما جرى . فلنعد إلى ما كنا فيه أتيت دكان العطار والسكر عنده كثير لكنه يرى ما معك من وعاء فيعطيك بقدر حجم وعائك . وعاؤك هنا همتك واعتقادك وبقدر همتك واعتقادك تنزل عليك المعاني ؛ فلما أتيت تطلب السكر ينظر إلى جوالك فيكيل لك كيلة أو اثنتين بقدر اتساعه ، ولو أتى بسرب من الإبل تحمل أجولة كثيرة فيؤمر الكيّالون بملئها كذاك الإنسان فواحد لا تكفيه بحور وآخر تكفيه قطرات وما يزيد عنها يؤذيه ويضره وليس هذا وحسب في عالم المعنى والعلوم والحكمة بل في كل شئ في المال والجواهر والمعادن ، كلها بلا حدود ونهاية لكن ينزل منها على المرء بقدر تقبله ، لأنه